ابن عربي
43
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
وأمر بالاعتصام بعده بكتاب اللّه عز وجل ، وأخبر أنه لا يضل من اعتصم باللّه ، وأشهد اللّه عز وجل على الناس ، أنه قد بلغهم ما يلزمهم ، فاعترف الناس بذلك ، وأمر عليه السلام أن يبلّغ الشاهد منهم الغائب . وبعثت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية ، وهي أم عبد اللّه بن العباس ، لبنا في قدح فشربه وهو أمام الناس ، وهو على بعيره ، فعلموا أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن صائما في يومه ذلك ، فلما أتم الخطبة المذكورة أمر بلالا فأذّن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصلّ بينهما شيئا ، لكن صلّاهما عليه السلام بالناس مجموعتين في وقت الظهر بأذان واحد لهما معا ، بإقامتين ، لكل صلاة منهما إقامة ، ثم ركب صلى اللّه عليه وسلم راحلته حتى أتى الموقف ، فاستقبل القبلة ، وجعل جبل المشاة بين يديه ، فلم يزل واقفا للدعاء هنالك حتى سقط رجل من المسلمين على راحلته ، وهو محرم في جملة الحجيج ، فمات ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأن يكفّن بثوبه ، ولا يمسّ بطيب ، ولا مخيط ، ولا يغطّى رأسه ولا وجهه ، وأخبر صلى اللّه عليه وسلم أنه يبعث يوم القيامة ملبيا ، وسأله قوم من أهل نجد هنالك عن الحج ، فأعلمهم عليه السلام بوجوب الوقوف بعرفة ، ووقت الوقوف بها ، وأرسل إلى الناس أن يقفوا على مشاعرهم ، فلم يزل واقفا للدعاء حتى غربت الشمس من يوم الجمعة المذكورة ، وذهبت الصفرة . أردف أسامة بن زيد خلفه ، ودفع عليه السلام ، وقد ضم بزمام القصوى حتى إن رأسها ليصيب طرف رجله ، ثم مضى يسير العنق ، فإذا وجد فجوة نص ، وكلاهما ضرب من السير ، والنص أكدهما ، والفجوة الفسحة من الناس ، كلما أتى ربوة من تلك الروابي أرخى للناقة زمامها قليلا حتى يصعدها ، وهو عليه السلام يأمر الناس بالسكينة بالسير ، فلما كان في الطريق عن الشعب الأيسر ، نزل عليه السلام فيه فبال ، وتوضأ وضوءا خفيفا ، وقال لأسامة : « المصلى أمامك » ، أو كلاما هذا معناه . ثم ركب حتى أتى المزدلفة ليلة السبت العاشرة من الحجة ، فتوضأ ثم صلى بها المغرب ، والعشاء الأخيرة ، مجموعتين في وقت العشاء الأخيرة دون خطبة ، لكن بآذان واحد لهما معا ، وبإقامتين ، لكل صلاة منهما إقامة ، ولم يصلّ بينهما شيئا . ثم اضطجع عليه السلام بها حتى طلع الفجر ، وأقام عليه السلام ، وصلى الفجر بالناس بالمزدلفة يوم السبت المذكور ، وهو يوم النحر ، يوم الأضحى ، يوم العيد ، يوم الحج الأكبر ، مغلسا أول انصداع الفجر ، وهنالك سأله عروة بن مضرس الطائي ، وقد ذكر له عليه السلام ، آله حج . فقال له عليه السلام : « إن من أدرك الصلاة » - يعني صلاة الصبح - « بمزدلفة في ذلك اليوم مع الناس فقد أدرك الحج ، وإلا فلم يدرك » ، فاستأذنته سودة وأم حبيبة في أن يدفعا